يخطئ من يظن أن مؤسساتنا و إداراتنا عقمت عن إنجاب الموظف المثالي , الذي يكون أنموذجا و قدوة للموظفين ؛ فالنماذج موجودة , و لكن من غيبها هي ثقافة التخلف الدارجة في مجتمعنا ؛ فقد جعلنا من الذئب الضاري أنموذجا يحتذى به عندما قلنا : إذا لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب , وجعلنا الكذاب دبلوماسيا محترفا , و جعلنا المتسلق خبيرا يعرف من أين تؤكل الكتف , و جعلنا الواسطة فيتامينا يجب على الجميع تناوله يوميا عند الذهاب إلى الدوائر و المصالح لقضاء الحاجات .
و تحت ستار هذه الثقافة الوحشية سرق المال العام , و تفشت الرشوة , و سلبت حقوق المساكين و الضعفة .
و لكن رغم هذه القتامة و الجو الخانق يعيش بيننا شرفاء , و نماذج رائعة جديرة بالإقتداء بها في زمن يغلب عليه" الرويبضة" في قطاعاتنا المتعددة .
و من تلك النماذج الرجل القيادي الذي يرفض إغراءات المناقصات , و المبالغ التي من تحت الطاولة.و كذلك الرجل الذي يتعفف في استخدام سيارة الوزارة أو الشركة في قضاء مشاويره الشخصية , و يمتثل ما كان يفعله خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز رحمه الله ؛ فقد كان له شمعتان إحداها يستخدمها في قراءة مطالب الدولة , والأخرى يستخدمها في ما يتعلق بأموره الخاصة ؛ و لم يكن يعجزه أن يتصرف في أموال الدولة و مستلزماتها بما شاء.
ورابع الرجال المحترمين من يحرص على الحضور مبكرا للدوام , و ينجز المعاملات بكل جد , ويهش و يبش مع زملائه و مع المراجعين , و يزرع الثقة في دائرته , و يكون آخر من يغادر مكتبه في وقت الانصراف .
و إذا أرادت مؤسساتنا استنبات مثل هذه النماذج الرائعة الذين يسهمون في زيادة الإنتاجية , و رفع سمعة البلد ؛ فعليها تبني ما يعرف في حقل الإدارة " بالثقافة التنظيمية" التي من مهامها بث القيم و السلوكيات المنتجة , و التي من ضمنها تبني أسلوب الجدارة , و الشفافية , و العمل بروح الفريق , و تفعيل أنظمة الحوافز التي تهدف للإبداع , و محاسبة المقصرين , و غرس الرقابة الذاتية في ضمائر الموظفين , و اعتماد منهج إدارة الجودة الشاملة التي تضع المراجع و عميل المؤسسة في قائمة الأولويات .
و كما أن من مهام الثقافة التنظيمية استئصال القيم السلبية التي توارثها الأفراد من الأعراف القبلية البائدة , أو من إفرازات الانحرافات لبعض أفراد المجتمع , و التي تكون خارجة عن دائرة الدين أو المألوف الذي تعارف عليه الناس.
و بهذا التكنيك التنظيمي تضمن مؤسساتنا استبقاء الشرفاء و المبدعين الذين يكونون قادة تلك المؤسسات في المستقبل المشرق. و الله يديم المحبة.




رد مع اقتباس

